عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

74

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ثم اعلم أن للزهد ثلاث مراتب : زهد المبتدىء : وهو ترك الفضول من الحلال وزهد المتوسط : هو ترك ما لا يعنيه . وهذا المعنى الذي يتولد منه زهد المنتهي وهو ترك ما يشغل العبد عن اللّه تعالى ، وهذا هو الزهد الحقيقي حتى تزهد في نفسك ، فإنها الشاغلة عن اللّه المشغولة بهواها وإنك مهما زهدت فيها حق الزهادة ، تخلصت عن حجب الكونين لأن الحجب بتعلق نفسك بهواها في الكونين . ولا تبلغ نهاية الزهد في نفسك إلا بالصبر على قطع تعلقاتها عما سوى اللّه . وكذلك بالصبر تظفر بكل مقام وحال . كما قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السّجدة : 24 ] وسنذكر فصلا في الصبر إن شاء اللّه تعالى واللّه أعلم . الفصل الرابع في مقام الصبر قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) [ آل عمران : 200 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « الإيمان نصفان ؛ نصف صبر ، ونصف شكر » « 1 » اعلم أن الآية والحديث يشيران إلى أن الصبر من صفات اللّه - عز وجل - وليس من صفات الإنسان وطبعه ؛ لأن اللّه تعالى لما أمر الإنسان بالصبر والمصابرة نسبه إلى الإيمان ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [ آل عمران : 200 ] أي : بقوة الإيمان اصبروا ؛ لأن الصبر نصف الإيمان ، والذي يؤكد هذا المعنى أنه تعالى لما أمر النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مع جلالة قدره بالصبر نفى الصبر عنه ، وأحاله إلى نفسه ، وقال : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النّحل : 127 ] لما سئل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : أي الإيمان أفضل قال : « الصبر والسماحة » « 2 » جعل الصبر من الإيمان ، والإيمان الحقيقي نور اللّه وصفته ، وقد سمى اللّه تعالى نفسه بالصبور ، وقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليس أحد أصبر على الأذى من اللّه » « 3 » فجعل الصبر من صفته تعالى ، والذي يدل أيضا على أن الصبر ليس من

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ( 1 / 66 ) ، طبعة دار الفكر - بيروت ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال كتاب الإيمان والإسلام ، قسم الأقوال ، طبعة دار الكتب العلمية وأخرجه غيرهما . ( 2 ) رواه أحمد في المسند عن عمرو بن عبسة حديث رقم ( 19454 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره ، ( 1 / 373 ) طبعة دار الكتب المصرية . وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الأخلاق ، قسم الأقوال حديث رقم ( 5811 ) ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . وأخرجه غيرهما .